بقلم: عبد الكريم علمي
الجمهورية الجزائرية
.. تَسَلَّلَ التيس البدين الشهير بضفدع الأوساخ والطين والعفن، إلى مزبلة الكلب المُهَرِّج سَيِّد القُمامة في غفلة منه وراح يقتات منها، ولكن سَيِّدَ الزِّبالة حضر فجأة وشَنَّ عليه هُجوما عنيفا وأصابه بجروح طفيفة، وتمكَّنَ التَّيس من إيذاء الكلب وإلحاق إصابة بالغة به، فجعله عِنِّينًا مثله غير قادر على الزواج، فراح الكلب يندب حظه ويأسى على نفسه ويقول مُتَحَسِّرًا والهَمُّ يعتصره: يا أسفى على نفسي..، إنني لن أأنَسَ بعد اليوم بِقرب الكلبات الحِسَان الفاتنات ولا بِوُدِّهِنَّ، فما من شيء أشدُّ على نفسي من حرماني قُربهن، فَهُنَّ أحسن شيء عندي في هذه الدُّنيا وألذَّه في نفسي، لقد أصابني هذا البدينُ في مقتل وصَيَّرَنِي عِنِّينًا مثله وحَرَمَنِي الخِلفة، سوف تشمتُ بي الخنازير القَمَّامَة، وتتشَفَّى فِيَّ كُلّ كلاب الزبالة، ومعهم القطط المُختالة المُحتالة، وسَيَلُوكُونَ سيرتي بألسنتهم غمزا وهمزا ولمزا، وتلميحًا وتصريحًا، سيقولون عَنِّي خصيٌّ وعِنِّين، لقد حَرَمَنِي الاستمتاع بحياتي، فماذا ستقول عني الكلبات بعد اليوم؟..
ولكن أُقسم أيها الوغد الحقير المشؤوم، لئن ظفرتُ بك وقبل أن أفتك بك وأفترسك، لأنتزعن خصيتيك المتدليتين في غير ما فائدة، فَهُمَا طيلة حياتك لم ينفعاك بشيء وأنت لا تحتاجهما، سأستأصلهما لك وأُولِمُ بهما للقطط، استثناءً لهم هذه المَرَّة دون غيرهم، ومَرَّةً وَاحِدَةً فقط دون أخرى، فهم يُزعجونني باستمرار، ويجعلونني دائما في حال تأهب واستنفار دائمين، لقد أتعبوني هُمْ أيضا بلصوصيتهم وغاراتهم المُتتابعة التي لا تهدأ ولا تَكُفّ، وسأجعل من إحدى أذنيك الطويلتين، اللتين لا تسمعان إلا للباطل والنَّمِيمَة والزُّور والبُهتان مكنسة لفضلاتي، والأخرى مِرْوَحَةً أساعد بها ذيلي في ذَبِّ الذِّبَّان والبعوض عن وجهي، وسأبتُرُ ذَنَبَك القصير لتصبح مَكشوفا تماما، ويراك الجميع قبيحًا ومُشَوَّهًا أكثر، سأجعل منك أضحوكة أمام قومك العنز القذرين وأمام كل الحيوانات، ولن يُلَقِّبوكَ بعدها بضفدع الأوساخ والطين والعفن، بل بالشيطان الممسوخ القذر المُشَوَّه المبتور الأذنين والذَّنَب..
إنّ هذه المصائب التي أنت فيها هي عِقابٌ لك على سيرتك العفنة، ومساوئك ومخازيك التي لا تُطاق، فكم انتهكت من حقوق الآخرين والتهمت مزروعاتهم خِلسة، وجميع أصدقائك عُفونة مثلك، ولصوصٌ لئامٌ مُحترفو سرقة وإجرام..
التقى التيس بالقرد الذي اشتهر بأنه خال الخنزير، مُصَادَفَةً على أطراف إحدى المزابل، فتَجَاذَبَا أطراف الحديث، ونشأت بينهما صداقة آنية عابرة، فاعتذر إليه عن المَرَّةِ السابقة حين ذهب يُعَزِّيهِ في نُفوق من اشتهر بأنه ابن أخته، وهو أبو زنفورة الخنشور النَّمَّام المُنافق والنَّافِق، وقال له: اُعذرني يا أخي القرد، فإنني ما كنتُ أعلم أنك تبغضه كل هذا البغض وتمقُتُهُ وتعافُه، وتتحاشى الحديث عنه وتتجنبه، ولا تُطيق سيرته ولا تحتمل سماعها..
القرد: لو كنتَ تعرفه مثلي يا أخي يا تيس الزَّرِيبَة لما استغربت بُغضي له، ولما أمكنك إلا ازدراءه وبغضه، فهو حقير وتافه إلى درجة لا يمكنك توقُّعُها أو تصوُّرُها، ولو قُدِّرَ للحقارة والنَّذالة أن تتجسَّدا، لَمَا وَجَدَتَا وِعاءً يليقُ بهما غيره، ولو مُنِحَتَا لسانًا لتبَرَّأتَا منه، ولَعَنَتَاهُ على رؤوس الأشهاد وبكل لغات العالم..
شَكَا التيس للقرد خصومته مع سَيِّدِ الزِّبالة، وقال له عنه: لقد نَمَا إلى علمي من مصدر موثوق أنه يتوعَّدُنِي ويَتَرَصَّدُنِي ويَتَرَبَّصُ بي الدَّوائرـ عليه دائرة السَّوء ـ لِيُوقِعَنِي في حبائل مَكْرِهِ وشَرَكِهِ ويَفتِكَ بي، وقد قَـرَّرْتُ أن أتغدَّى به قبل أن يتعشَّى بي، وسأجعل مزبلته التي ضَنَّ بها على غيره مقبرة تحتضن جيفته..
القرد: حسنا تفعل، وهذا تفكير سليم لا يُقدِمُ عليه إلا تيسٌ مقدامٌ جريءٌ مثلك، وتلك مَكْرمَةٌ تُحمَدُ عليها أبَدَ الدهر، ولا ينالها إلا ذو حظ عظيم، إنك إن فعلت ذلك فأنا أبارك لك، وسيباركك الجميع دون استثناء، وتكون قد خلَّصتَ أُمَّةَ الحيوان وكُلّ الخلق، من شر وقذارة أنذل الكلاب وأخبثهم، فهو وغد حقير نجس لعين لا يستحق العيش، ستغدو الدنيا برحيله أنقى وأهدأ وأفضل، وسينعم الخلق بالرَّاحة والسَّكينة والطُّمأنينة، وإنك أنت وحدك الذي لا يُمْكِنُ لكلب الزبالة التغلب عليه أو النيل منه، فهو جبان رعديد، وأنت قَوِيٌّ وشُجاع وجريء، ومُسَلَّحٌ بقرنين صُلبين شديدي البأس، وبإمكانك الإطاحة به بسهولة، والتغلب عليه كما فعلت في المَرَّةِ السابقة، ولكن لا تأمنه واحذره أشَدَّ الحذر فإنه مسعورٌ وغدَّار، ولا يَغُرَّنَّكَ بياضُ أسنانه وجمالها ففيها يكمن الخطر، فهي تلك الأسنان نفسها التي استأصل بها فنطيسة أبي زنفورة الخنشور النَّمَّام، وآذاه وجعله عاجزا عن تناول الطعام، إلى أن قضى وهلك جُوعا ومَرَضًا وقَهرًا، ونَفَقَ طريدا ذليلا شريدا على مشارف الزِّبالة وأطرافها..
فَتَشَجّعَ التَّيس وامتلأ حماسة وثِقَة، وقال له: كما هَـزَمْتُهُ من قبل بكل سُهُـولة ويُسر، فأنا قادر على أن أُجَنْدِلَهُ هذه المَرَّةَ أيضا، ولن يُبصر النُّور مرة أخرى أو يتنفس الهواء مجدَّدًا..، ستكون نهايته الحتمية، وذلك مصيره الذي ينتظره..
أَعلَنَ التيسُ تَحَدِّيهِ لكلب القُمامة داخل مزبلته، ودعاه إلى مُبارزة عَلَنِيَّة يشهدها الجميع من خارج أسوارها، فوافق الكلب على التَّحَدِّي، غير أنه اشترط أن تكون المُبارزة بينهما في سِرِّيَّةٍ تامَّة، حِفاظا على كرامتهما وسُمعتهما، اتقاءً لشماتة الآخرين وألسنتهم، واتفقا على اليوم والسَّاعَة..
غير أن سَيِّدَ الزِّبَالَة غَدَرَ به، واتَّفَقَ مع جماعة من الكلاب ، يختبئون داخل المزبلة لحظة المعركة، وشرح لهم مهمتهم بدقة، ووعدهم أن يقتسم معهم لحم التيس بالسَّوِيَّة، وبشهر كامل من الرَّاحَة والاستجمام، والحُرِّيَّة الكاملة داخل قُمامته، وأوصاهم ألا يخرجوا من مخابئهم ويُهاجموه إلا بعد أن يبدأ القتال والنِّزَال، حتى يطمئن فلا يشعر بالكمين، فيعجز عن الفرار..
كان مشهدا يدعو إلى العبرة والدهشة، وصورة لا تُمحى من تاريخ القَمَّامِين وذاكرتهم، فالكلاب الذين ائتمنهم سيد القمامة على سِرّ المُبارزة، أسَرَّ كل واحد منهم الخبر إلى خاصته، وكل واحد من الثقة والخاصة أخبر بدوره ثقته وخاصته، وهكذا إلى أن شاع الخبر وبلغ جميع كلاب المزابل القريبة والبعيدة، وفعل التيس الأمر نفسه مع خاصته وأهل ثقته، وكل واحد منهم فعل الأمر ذاته مع الحاشية والمقربين، وكان لبعضهم صِلَاتٌ بخنازير المزابل، فأصبح الجميع على موعد مع المبارزة التاريخية..
وفي اليوم الموعود والسَّاعة المُحَدَّدَة، تَدَاعَى القَمَّامُون إلى المزبلة الكبيرة، وما إن انطلقت الملحمة بين التيس والكلب حتى عَجَّ المكانُ بهم، كأنهم قد أفاضوا إلى مَزَارٍ مُقَدَّس، وهُمْ من كُلّ هَضَبَةٍ وتَلّةٍ ومزبلة، ومن كل حدبٍ وصوبٍ يَتقاطَرُون ويَتَدَفَّقُون، قَدِمُوا يَرقُبُون ويُتابعون، وكل فريق منهم يهتف لأحدهما، ثم انتهت المعركة بطعنة قاتلة من قَرنِ التَّيس أصابت الكلب في مقتل، فَسَقَطَ أرضًا يعوي ويتلوَّى من شِدّةِ الألم، وأمَّا التَّيس فخرجت إليه الكلاب الكامنة من مخابئها، وأحاطت به إحاطة السِّوَارِ بالمعصم، وانهالت عليه نَهشًا حتى افترسته..
أَحَسَّ الكلب بالضَّعف والوَهَن وأيقن أن أجله قد دنا، وأنَّ مَنِيَّتَهُ قد اقتربت، فراح يقول في نفسه: أُحِسُّ أنني بلغتُ نهاية المطاف وأنَّ أجلي قد دنا، الحمد لله لقد بَرَرْتُ بقسمي وفتكتُ بكل أصدقائي المُنافقين، ابتداءً بالجحش المغفل الملقب ببردوع النُّخَّال، لما أرسلتُه إلى حتفه ووقع ضَحِيَّةً بين فَكَّي الأسد، ثم بالخنزير النَّجس الملقب بأبي زنفورة خنشور النَّمَّام، وَجْهُ بُومَة الظَّلام، وصاحب القلب الأسود السَّام، والذي لأجل نبتة البلبوزة ضل في الأرض والجبال والوديان والصحاري وتاه وهام، وانتهاءً بالتَّيس البدين العِنِّين، صاحب الصَّنَان والذَّفَر والرِّيح النَّتن، الملقب بضفدع الأوساخ والطِّينِ والعَفَن، والآن بقيت الأُمنية الأخيرة، وهي أن أموت فوق كُومَة كبيرة من الزِّبالة وعَظْمٌ كبيرٌ في فمي، ولا شيء أحبّ إلى نفسي ولا أشهى عندي من جُمجمة خنشور الهالك، وهاهي عظامه بحوزتي وقريبة مني.
زحف بشق الأنفس إلى كُومَة كبيرة من القاذورات، وحيث بقايا عظام الخنشور النَّمَّام، فتَمَدَّدَ فوقها وتناول بِفَكَّيْهِ جُمجمة صاحبه، بعد أن تحلَّلَ لحمها ولم يبق منها إلا العظم، وأطبق عليها بفكيه إطباقا شديدا ولم يُفلتها، وبقي يَئِنّ من جراحه وآلامه، حتى نَفَقَ كما اشتهى وأمَّلَ وبلغ آخر أمانيه..
لم تمر إلا لحظات يسيرة حتى حامت الغربان فوق الزبالة، وهجمت كلاب القُمامة على المكان، تقتات وتبحث عن الغذاء، وأصبح المكان مُباحا لكل عابر ومتطفل..
وبعد أن تَبَيَّنَ للقاصي والدَّاني نُفُوق الكلب المهرج سيد القُمامة، فإن الزبالة باتت نهبا لكل من هب ودب، وأصبحت مُباحة لا حارس لها ولا مانع، وتدفقت الكلاب عليها تدفق الموج وهجمت عليها، واجتاحتها اجتياح جيشٍ مُنتصر ظافر، بعد علمها وسماعها بالخبر، وسيطرت كل مجموعة منها على كُومَةٍ من أكوامها، وأصبحت تَعُجُّ بهم من حيث لا موطئ قدم لمتسكع ومتطفل من غيرهم، غير أنهم لم يلبثوا طويلا حتى اندلعت بينهم معارك دامية، يتنازعون السِّيَادَةَ والاستحواذ، فكل جماعة على الأخرى، بل كل كلب على رفاقه، في حرب بائسة عبثية..





مواضيع ذات صلة