الخميس، 18 يونيو 2026

رحلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة الهجرة النبوية: دروس وعبر جريدة الراصد 24

الخميس، 18 يونيو 2026 يونيو 18, 2026




بورسعيد/ كتب / السيد بكري 


الخميس الموافق 18/6/2026


 لقد بلغ الأذى مدًاه ولم يعُد يحتمله الصابرون، ولم بحتمل  العيش مع تناميه = ولم يكن هناك حينئذ إذنٌ بالمواجهة الملحمية  فكان لابد من حل يوصل إلى السلامة والأمان، وتورق تحت آفاقه أغصان الهدى والإيمان.


فجاء الإذن من الله بعد ذلك بالرحلة المقدسة ومفارقة الأهل والديار؛ حفاظًا على نور الإيمان من الأفول، وصيانة للنفوس الزكية من الذبول؛ ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ [العنكبوت:56].


فهاجر المهاجرون المكلمون  إلى الحبشة الهجرتين الأولى والثانية، ثم جاء موعد الهجرة الكبرى إلى المدينة، فهاجر عددٌ من المسلمين، حتى تلتها هجرة النبي صلى الله عليه وسلم رُفقة الصديق أبو بكر - رضي الله عنه.


وعليه عقد المشركون مؤتمرًا كان قراره النهائي - أن يتخلصوا من شخص النبي عليه الصلاة والسلام، فجهزوا فرقة الاغتيال على باب الرسول عليه الصلاة والسلام ليلًا.


وعقب ذلك المؤتمر  - جاء الإذن للنبي عليه الصلاة والسلام بالهجرة، فرسم خطة الانطلاق رسمًا محكمًا، ثم ترك علي بن أبي طالب رضي الله عنه  على فراشه، وصحب أبا بكر رضي الله عنه في رحلته حتى وصلا إلى غار ثور، فمكثا هناك ثلاثًا، ثم واصلا سيرهما بعد ذلك حتى وصلا بسلامة الله وحمايته إلى المدينة يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 14 من النبوة - وهي السنة الأولى من الهجرة -، بعد رحلة دامت اثني عشر يومًا.


ومن يقرأ تفاصيل هذه الرحلة وخيوط امتدادها، يرَ فيها-- دقة التنظيم النبوي، وحسن إدارة نجاحها، وترتيب أسباب الوصول منها إلى الغاية المرجوة بأمان.


 و اختار رسول الله الرفيق قبل الطريق، وهو خليفته الصديق رضي الله عنه، وهيَّأ أمير المؤمنين عليًّا رضي الله عنه قبل مجيء الليل ليبيت معه في المنزل، ويكون على فراشه؛ إيهامًا لفرقة الاغتيال التي تطوِّق بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام.


و جهز الزاد والراحلتين، وهيَّأ الدليل  على الطريق، واختار الطريق الذي لا تلتفت له أنظار قريش ، وكيف كَمَنَ مع صاحبه في الغار ثلاثًا حتى كف الطلب عنهما.


 لأن الإسلام - يعلِّمنا النظام والترتيب والإدارة الناجحة في مشروعات حياتنا، بل في أعمالنا كلها.


في هذا الحدث الإسلامي العظيم نتعلم أن التفكير في حل المشكلات، والخروج من قبضة الأزمات، هو الموقف الصحيح، وليس الاستمرار في تجرُّع مرارات المصائب، والبقاء في بوتقة جراحاتها المؤلمة، والاستسلام المميت لنتائجها السيئة، فليس كل مؤمن يستطيع الثبات في مواجهة الباطل محافظًا على صبره وإيمانه، أما من استطاع الصبر الجميل في البلاء الشديد، فهذا قليل؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن السعيد لمن جُنِّبَ الفتن، إن السعيد لمن جُنِّبَ الفتن، إن السعيد لمن جُنِّبَ الفتن، وَلَمَنْ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ [1].


وفي هذه الرحلة المباركة تتمثل لنا حماية الله لأوليائه، وعنايته العظيمة بهم، وتوفيقه الكبير لهم، فأبو بكر يُلدغ من أفعى سامة ويبقيه الله رفيقًا لنبيه دون أن يموت من سم تلك اللدغة.


والمشركون يبحثون عن النبي عليه الصلاة والسلام وصاحبه في كل سبيل، حتى وصلوا إلى باب الغار، فلما وصلوا أعماهم الله عن رؤيتهما كما أعماهم ليلة الخروج من مكة، حتى رجعوا خائبين.


عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، فقال: (يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما)[2].


قال الله تعالى: ﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة:40].


فكن - أحي في الله في  معية الله لك وحمايته وتوفيقه؛ فقد قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128].


وفي هذا الحدث التاريخي الكبير يتجلى لنا فضل خليفة رسول الله أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي جنَّد نفسه وأهله، وأنفق ماله من أجل نجاح هذه الرحلة الايمانية رغم محاطرها  - فقد خاطر بنفسه ليكون المرافق الشخصي للمطلوب الأول لقريش، وجهَّز راحلتين، وكانت ابنته تأتيهما بالطعام إلى الغار، بل قد لطَمها أبو جهل في خدها حتى أسقَط قُرطها عندما سألها عن أبيها بعد خروجه مع رسول الله.


 وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما في الغار إلى السحر، ثم يرجع إلى مكة كأنه بائت فيها، ويجمع في النهار الأخبار حتى يأتيهما بها، وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يتبع بغنمه أثر عبد الله بن أبي بكر بعد ذَهابه إلى مكة ليعفي أثر أقدامه.


عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي، فهل أنتم تاركو لي صاحبي)[3].


وفي هذه الرحلة أيضًا بيان فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي وقى رسول الله عليه الصلاة والسلام بنفسه حين بات على فراشه وهو يعلم أن السيوف مُصلةٌ على باب رسوله، ولكن الله تعالى حماه فلم يُصبه المشركون بأذى.


 وفي هذه الرحلة أيضًا يبدو لنا دورُ المرأة المسلمة في نصرة الإسلام وإعانة أهله المدافعين عنه، فالإسلام لن يقوم عموده إلا بجهود أهله من الرجال والنساء، فعلى المرأة المسلمة أن تسأل نفسها: ماذا قدَّمت لدينها؟


فأسماء كانت مسؤولة التغذية في هذه الرحلة، فقد روى البخاري في صحيحه عنها رضي الله عنها، قالت: "صنعت سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أبي بكر، حين أراد أن يهاجر إلى المدينة، قالت: فلم نجد لسفرته، ولا لسقائه ما نربطهما به، فقلت لأبي بكر: والله ما أجد شيئًا أربط به إلا نطاقي، قال: فشقيه باثنين، فاربطيه: بواحد السقاء، وبالآخر السفرة، ففعلتُ، فلذلك =وسُمِّيتُ ذات النطاقين".


ومن حادثة الهجرة نتعلم أن هذا الدين يحتاج إلى عطاء كبير من جميع المسلمين على اختلاف أسنانهم ومراتبهم وعلومهم، فليس الدين مهمة رجال الدين كما يقال، وهم العلماء والدعاة وطلبة العلم، بل كلُّ مسلم رجل دين، وعليه مهمةٌ في نصره والحفاظ عليه بقدر استطاعته ومواهبه.


ولو استشعر كلُّ مسلم ومسلمة هذه القضية وصار يخدم الإسلام في أي مكان هو فيه، لرأينا الإسلام والمسلمين في حال أحسن وأعز مما هم عليه اليوم.


لقد صارت الأوطان اليوم كعبة مقصودة وجنة مقدمة على جنة الآخرة لدى بعض عشاق الوطنية وأسراء القومية، بدلًا عن الرابطة الإسلامية والهُوية الإيمانية] - 


فجازى الله تعالى بالأجور الوفيرة، والعواقب الحسنة الكثيرة أولئك المهاجرين الأولين الذين تركوا الوطن الطافح بالفتن، واختاروا عنه مدينة الإيمان والأمن؛ قال تعالى: ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾ [آل عمران:195].  


 عام هجري سعيد وكل عام وأنتم بخير


                                                      السيد محمد بكري

تعليقات

  • فيسبوك
  • جوجل بلاس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ جريدة الراصد 24

تصميم و تكويد