الأربعاء، 17 يونيو 2026

حين تُباع التربية في سوق التفاعل جريدة الراصد 24

الأربعاء، 17 يونيو 2026 يونيو 17, 2026


بقلم: نجوى نصر الدين

ما أتعس اللحظة التي يتحول فيها المتعلم من إنسانٍ يُبنى إلى مادةٍ تُستغل، ومن روحٍ تستحق الاحتواء إلى وسيلةٍ لجمع المشاهدات والتصفيق والتفاعل.

إن التربية في جوهرها رسالة رحمة قبل أن تكون رسالة تعليم، ورسالة بناء قبل أن تكون وسيلة استعراض. فالمعلم الحقيقي لا يبحث عن الأضواء بقدر ما يبحث عن الأثر، ولا يسعى إلى إحراج تلميذه ليُضحك الجمهور، بل يسعى إلى رفعه حتى يثق بنفسه ويكتشف قدراته.

لكننا أصبحنا نشاهد في بعض الأحيان مشاهد مؤلمة يُستغل فيها ضعف الطالب أو جهله أو خطؤه ليكون مادةً للنشر والتداول، وكأن كرامة الإنسان أصبحت أقل قيمة من أرقام المشاهدات، وكأن الضحكات العابرة أهم من النفس التي قد تُجرح، والثقة التي قد تتحطم.

حين نُقايض كرامة المتعلم بحفنة من التفاعلات، فإننا لا نسيء إلى طالب واحد فحسب، بل نسيء إلى مفهوم التربية بأكمله. لأن التعليم لا يقوم على كشف العيوب أمام الناس، بل على معالجتها في جو من الاحترام والأمان.

إن الطالب الذي يُهان اليوم أمام الكاميرات أو المنصات قد يحمل جرحًا نفسيًا يبقى معه سنوات طويلة. وربما ينسى الناس المقطع الذي شاهدوه خلال دقائق، لكنه لن ينسى الشعور بالخجل والانكسار الذي عاشه في تلك اللحظة.

لقد كانت المدرسة دائمًا مكانًا لصناعة الثقة، لا لهدمها. وكان المعلم رمزًا للأمان، لا مصدرًا للخوف أو السخرية. لذلك فإن كل ممارسة تنتقص من إنسانية المتعلم هي خروج عن روح الرسالة التربوية مهما كانت المبررات.

إن الشهرة التي تُبنى على حساب كرامة الآخرين ليست نجاحًا، والتفاعل الذي يُحصد من جراح الناس ليس إنجازًا. فالقيم لا تُقاس بعدد الإعجابات، والرسائل النبيلة لا تُوزن بميزان المشاهدات.

سيبقى أعظم المعلمين أولئك الذين ستروا ضعف طلابهم، وأخذوا بأيديهم نحو النجاح، وحافظوا على كرامتهم كما يحافظون على أبنائهم. فالتلميذ قد ينسى الدرس، لكنه لن ينسى أبدًا من احترمه وهو يتعلم، ومن حفظ له إنسانيته وهو يخطئ.

وحين تعود كرامة المتعلم إلى مكانها الطبيعي، تعود التربية إلى معناها الحقيقي، وتستعيد الرسالة التربوية قدسيتها التي لا يجوز أن تُعرض في أي مزاد، مهما ارتفع ثمن الشهرة ومهما كثرت التفاعلات.

 تحياتي 

نجوى نصر الدين

تعليقات

  • فيسبوك
  • جوجل بلاس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة لـ جريدة الراصد 24

تصميم و تكويد