بقلم نجوي نصر الدين
كنت أجلس بينهم… أستمع، لا لأقتنع، بل لأفهم كيف يمكن لأفكارٍ متناقضة مع المنطق أن تُقال بكل هذا اليقين. كانوا يتحدثون بثقة من يملك الحقيقة، بينما كنت أرى في كلماتهم اندفاعًا يختبئ خلف قناع الحكمة، وضجيجًا يطغى على صوت العقل.
تساءلت بيني وبين نفسي:
كيف يطمئنون لما لا يستقيم؟
وكيف يسيرون خلف أفكارٍ لا تقنع عقلًا ولا تهدئ قلبًا؟
في تلك اللحظة، أدركت أن التمسك بالعقل ليس طريقًا سهلًا… بل طريق قد يجعلك غريبًا. فالعقل لا يجاري الضجيج، ولا ينساق خلف التيار، ولذلك يبدو صاحبه مختلفًا… وربما “مجنونًا” في أعين من اعتادوا السير بلا تفكير.
لكنني اخترت أن أتمسك بعقلي.
أن أثق بما أراه حقًا، حتى لو كنت وحدي.
لم أساير، ولم أتنازل، لأنني كنت أؤمن أن الزمن لا يُجامل أحدًا… وأنه كفيل بكشف الحقيقة مهما طال اختفاؤها.
ومرت الأيام…
وتبدلت المواقف، وسقطت تلك الأفكار التي بدت يومًا راسخة. ظهرت النتائج، وتكشّف الطريق، فكان الندم نصيب من اندفعوا، والوضوح نصيب من صبروا. حينها فقط، فهمت أن الحذر لم يكن ضعفًا… بل نجاة، وأن التروي لم يكن ترددًا… بل وعي.
أدركت أن العقل ليس مجرد رأي… بل طوق نجاة.
وأن الثبات على القناعة ليس عنادًا… بل قوة.
لكن الحقيقة الأعمق التي تعلمتها، أن البصيرة ليست ذكاءً فقط… بل رزق.
هي نور يضعه الله في القلب، ترى به ما لا يُرى، وتفهم به ما لا يُقال.
فكم من ذكيٍ ضل الطريق،
وكم من بسيطٍ هداه الله فاختار الصواب.
لذلك، لا يكفي أن تفكر… بل ادعُ الله أن يُبصّرك.
لا يكفي أن ترى… بل اسأله أن يريك الحقيقة كما هي.
فالهداية ليست بقدرتك وحدك، ولا بصراعتك مع الأفكار…
بل بتوفيقٍ من الله يضعك في الطريق الصحيح.
لذلك… لا تخف من الاختلاف،
ولا تقلق إن سرت وحدك لبعض الوقت.
فليس كل من تبع الجماعة كان على صواب،
وليس كل من سخر من العقل اليوم… سيبقى ضاحكًا غدًا.
تمسّك بعقلك… حتى لو قالوا عنك مجنون.
وادعُ الله أن يرزقك البصيرة…
فالعقل قد يجعلك وحيدًا لبعض الوقت…
لكن البصيرة هي التي تقودك دائمًا إلى الطريق الصحيح





مواضيع ذات صلة