بقلم / محمـــد الدكـــروري
إنه ينبغي على المسلم أن يتحرى الخيرات ويستكثر منها حتى يعتاد إليها، وتصير له سجية في النفس وعادة في الطبع، فعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال عودوا أنفسكم الخير، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " الخير عادة والشر لجاجة ومن يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين" والمسلم مأمور بأن يطلب الخير في دهره كله، لكنه مطلوب منه أن يجد ويعزم على إستغلال الأيام الفاضلة، كفرصة هذا الشهر العظيم الذى انقضى الذى تفتح فيه أبواب الجنة، فما على المشمرين إلا أن يقبلوا، وما على المتسابقين إلا أن يبادروا، وقد تيقن المفلحون أن من الغبن والحرمان أن يحرم المرء فضل هذا الشهر، فهو زمن ليس كغيره من الأزمان، كما قال ابن الجوزى رحمه الله شهر رمضان بين الشهور كيوسف بن إخوته، فكما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب كذلك رمضان أحب الشهور إلى علام الغيوب، وكان ليعقوب أحد عشر ولدا ذكورا، ولم يرتد بصره بشيء من ثيابهم.
وإرتد بقميص يوسف بصيرا، فكذلك المذنب العاصي إذا شم روائح رمضان، فإن شهر رمضان فيه من الرأفة والبركات والنعمة والخيرات والعتق من النار والغفران من الملك القهار ما يغلب جميع الشهور وما إكتسبنا فيه من الآثام والأوزار، فعلينا أن نتلافى ما فرطنا فيه في سائر الشهور، ونصلح فيه فاسد الأمور، فالله الله إغتنموا هذه الفضيلة في هذه الأيام المباركات، تعقبكم النعمة الجزيلة والدرجة الجليلة والراحة الطويلة إن شاء الله، وحتى يتحقق الإغتنام، ونحن نحتاج إلى أن نصون أوقاتنا، وخصوصا في الأيام المباركه، ونحذر شياطين الإنس الذين يجتهدون في صرف المسلمين عما يكون فيه خيرهم ونفعهم وصلاحهم، وكما يجب علينا ألا تلهينا مواقع التواصل ولا غيرها عن إغتنام أوقات الأيام المباركات، حيث يجد فيها بعض الناس تسلية ومتعة، فينشغلون بها وينصرفون عن الجد والإجتهاد في مواسم الخيرات، وأن الله سبحانه وتعالى قد سمى نفسه بالكريم.
ووصف نفسه سبحانه بأنه ذو الجلال والإكرام، فسبحانه ما أكرمه، وما أعظم فضله على عباده، وإذا ذكر الكرام عد من أنبل صفاتهم وأكرم نعوتهم أنهم يفتحون أبوابهم ليدخل إليهم من يريدون القرى، وينشدون الفضل والإحسان، والله عز وجل، وله المثل الأعلى، قد علم أن بعباده إليه حاجة، وأنهم مفتقرون إليه، لا غنى لهم عنه، يريدون فضله، ويطمعون في عطائه ونواله، ويرغبون في القرب منه، والزلفى لديه، ففتح لهؤلاء العباد أبوابا كثيرة مشرعة ليدخلوا منها إلى فضله وإحسانه، وإلى رحمته ورضوانه، ولقد علم الكريم أن عباده الصالحين يحبون القرب منه، والزلفى لديه، ففتح لهم الأبواب الموصلة إلى رحمته، وبين لهم الطرق المؤدية إلى جنته، وعددها، ونوّعها لئلا يمل هؤلاء المحبون ويكلوا فيقطعوا، وسهّلها لئلا يتثاقلوا ويتركوا فيُحرموا، وهذا من رحمته وتيسيره لعباده، إنه هو البر الرحيم، والناظر في كتاب الله وسنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم.
يجد هذه الطرق أكثر من أن تحصر، ومن رام عدها رام أمرا عسيرا، ولكن حسبنا أن نعمل بما نعلم، وأن نتذاكر فيما بيننا فيما لا نعلم، وأن نجتهد في ذلك، فمن إجتهد وجد، وروي عن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حدّث أصحابه عن الزكاة، فسأله الصحابة عن الإبل والخيل، فأخبرهم بحقها وأجرها، ثم سألوه عن الحُمر، فقال صلى الله عليه وسلم "ما أنزل الله عليّ في الحُمر شيئا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" وهذا الجواب تقعيد مفيد لمسألة عظيمة ذات شعب متكاثرة، فبين للسائل أن الله عز وجل جعل على نفسه أن يعطي كل ذي حق حقه، فمن عمل صالحا فسوف يراه، ومن عمل سيئا فسوف يراه، وما ربك بظلام للعبيد، وفضل الله واسع، وعطاؤه جزيل، فربما عمل العبد عملا يظنه يسيرا ولكنه عند الله عظيم، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضى الله عنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال.
"بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها أى حذاءها فإستقت له به، فسقته، فغفر الله لها به" أنظروا امرأة زانية إشتهرت بالبغي والإفساد، عملت عملا صالحا أخلصت لله فيه فغفر الله ذنوبها، سبحانه هو الغفور الرحيم، فما ظنكم بمن رحم مؤمنا مسكينا ففرّج عنه أو أطعمه وسقاه؟ ومثل هذا ما أخرجه مسلم عنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذى المسلمين" وفي رواية "مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة" ولا عجب فإن ذلك الرجل وتلك المرأة لم يتعاملا مع مخلوق يعتريه الضعف والفقر والبخل، وإنما كانت معاملتهما مع خالق كريم عظيم يحب من عباده أن يتقربوا إليه بالأعمال ولو قلت لينميها لهم، ويدخلهم بها جنات النعيم.





مواضيع ذات صلة