بقلم / محمـــد الدكـــروري
شهر رمضان كسوق أقام ثم انفض، فربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر، فكان ينبغي قبل حلول هذا الشهر المبارك وقبل رحيلة إنه كان ينبغي لنا بعض الوقفات، فإن الوقفة الأولى وهو كان ينبغي علينا أن نستعد لرمضان بتطهير أنفسنا من المعاصى والسيئات وتنقية قلوبنا من الشرور والآفات ويكون ذلك بالتوبة النصوح، فالمعاصي تقسي القلوب، وتثبط عن العمل، وتهون الوقوع في الآثام، فالصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا إجتنبت الكبائر، واعلموا أن يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وينادي عباده ويقول كما جاء فى كتابه الكريم " قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم " وأما الوقفة الثانية التي كان ينبغي علينا فعلها هو أنه علينا أن نعود إلى كتاب الله عز وجل.
وكان خصوصا في هذا الشهر الكريم ونعيش في رحابه، ونحرص على أن لا نكون ممن يدخل في قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم " يا رب إن قومى اتخذوا القرآن مهجورا" ومن مر عليه رمضان ولم يختم فيه القرآن فليعلم أنه محروم استحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر الله، وأما عن الوقفة الثالثة التي كان ينبغي علينا فعلها وهى أنه ليحرص كل واحد منا أن يكون في رمضان مثالا للمؤمن الحق، الذى يُعرف بحُسن أخلاقه، فيحترم الكبير، ويعطف على الصغير، ويصل الرحم، وهكذا فإن شهر رمضان هو موسم تضاعف فيه الأجور والحسنات، وهذه الشهور على رأسها شهر رمضان، والأشهر الحُرم، وشهر الله المحرّم، وشهر شعبان الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله، وفضل بعض الليالي والأيام على بعض، كما فضل ليلة القدر والليالي العشر الأخيرة وأوتارها من رمضان، والعشر الأوائل من ذى الحجة، فله الحمد سبحانه وتعالي.
على ما عوّضنا من قصر أعمارنا مواسم تضاعف فيها الأجور، وتكفر السيئات، وترفع الدرجات، فله الحمد على نعمه المنان الكريم ونحن عباد وظيفتنا طاعته، وظيفتنا عبادته، وظيفتنا التقرب إليه، خُلقنا لأجل عبادته، فينبغي علينا أن نطيع ولا نعصى الله عز وجل، وأن نعبده ونشكره، ولا نكفره، فقد أمرنا بالتواصي بالحق والصبر، وأمرنا بألا نظلم أنفسنا، فقال تعالى فى سورة التوبة " ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم " فإن شهرنا هذا وضيفنا، وكان هذا الشوق العظيم من قلوب المحبين وأفئدة المؤمنين لهذا الموسم الكبير، إنه شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن، إنه كلام الله، كلام الرب، وإنه الكلام الذي لو نزل على جبل لتدكدك، إنه الكلام الذي تتفطر منه قلوب المؤمنين فتنبت الأعمال الصالحة كما تنبت الأرض من هذا الماء النازل من السماء المبارك، وكذلك كتاب الله مبارك إذا نزل على القلوب أينعت وأثمرت بإذن الله.
فهذه المواسم الفاضلة فإن الذكي من يغتنمها حقا، والشقي من تفوت عليه، ولا يدري أنها حلت ولا أنها إرتحلت، واعلموا أن لله في أيام الدهر نفحات، فمن تعرّض لها يوشك أن تصيبه نفحة ولعله لا يشقى بعدها أبدا، فقال عمر بن ذر "اعملوا لأنفسكم رحمكم الله في هذا الليل وسواده، فإن المغبون من غُبن خير الليل والنهار، والمحروم من حُرم خيرهما، وإنما جعلا سبيلا للمؤمنين إلى طاعة ربهم ووبالا على الآخرين للغفلة عن أنفسهم، فأحيوا أنفسكم بذكر الله، فإنما تحيا القلوب بذكر الله" فإن هذه الأيام التي نعيش فيها، هي ما بعد الشهر الكريم الذي رحل عنا، فإنه فعلا ضيف عزيز كان يحتاج إلى إستعداد له فإنه موسم كبير يحتاج إلى ملء الأوقات بذكر رب البريات عز وجل، وكان يجب علينا أول ما نذكره في بداية هذا الشهر كيف يكون مغفرة؟ لأن الله تعالى وعد بالمغفرة لمن يدخل فيه فيصومه إحتسابا وإيمانا.
إيمانا بفرضيته، وإحتسابا بالأجر فيه، يحسن الظن بالله بعدما يعمل العمل الصالح، وأن الله لن يضيعه، وأنه سيقبله منه، هذا الشهر الكريم الذى فيه الثواب والأجر، الذى فيه الطمع بمغفرة الله سبحانه وعندما يكون الله عز وجل أقرب إلى عباده ينبغي على العباد أن يقتربوا أكثر من الله، فإننا نريد فعلا أن نكون من المتقين، فإن الحصول على التقوى خصوصا في هذا الشهر هو أصلا السبب في فرضيته، وهذا هو الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والإستعداد ليوم الرحيل هو التقوى وهو العمل بطاعة من الله، ترجو ثواب الله، وتترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عذاب الله، هذه هي التقوى، أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، فهذه هي التقوى.





مواضيع ذات صلة